يحيي بن حمزة العلوي اليمني

165

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

وأما الصورة الثانية فإنما ترد في التشبيه المفرد بالمركب ، ومثال قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الكمأة جدرى الأرض » « 1 » ومنه قول البحتري « غمام سحاب » وقول أبى تمام « أي مرعى عين » وقد أسلفناه ، وهكذا ما حكيناه عن أمير المؤمنين ، فإنه من باب تشبيه المفرد بالمركب ، وهو كثير الدور ، وأما الصورة الثالثة فمثالها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث معاذ « وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم » « 2 » كأنه قال كلام الناس كحصائد المناجل ، ومن علامة هذه الصورة التي هي تشبيه المفرد بالمركب ، أنه لا يكون المشبه به مذكورا ، بل المذكور صفته ، وهو الحصد ، فيكون تقديره ، الألسنة في كلامها كالمناجل المحصدة فيكون على هذا تشبيه مفرد بالمركب ، وأما الصورة الرابعة والخامسة فإنما يردان في تشبيه المركب بالمركب ، فأما الرابعة فمثلناها بقوله تعالى : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ [ الحشر : 9 ] كأنه قال المؤمنون فيما تلبسوا به من الإيمان وتمكنوا فيه كمن اتخذ دارا وتبوأها مسكنا ، فقد ظهر لك بما ذكرناه صورة التركيب فيهما جميعا ، ومن هذا قول أبى تمام : نطقت مقلة الفتى الملهوف * فتشكت بفيض دمع ذروف وإذا أردنا إظهار تركيبه قلنا : دمع العين الباكية في حالها كاللسان الناطق ، وأما الخامسة فمثلناها بقول الفرزدق « ما ضر تغلب وائل » البيت وبقول البحتري « تعز فإن السيف » البيت وبقول الفرزدق أيضا « قوارص تأتيني » . ومتى أردت إظهار التركيب في هذا فإنك تقول : هجاؤك في حق هذه القبيلة بمنزلة بولة مجتمعة في ملتقى البحرين ، وهكذا قوله في القوارص ، كأنه قال : القوارص المجتمعة في تأثيرها في الألم والأذية ، مشبهة بالقطر القليل الذي يجتمع فيملأ الإناء ونحو قوله « تعز » فإن تقدير ظهور التركيب فيه أن يقال : أنت فيما أصابك من فقد من فقدته ، بمنزلة السيف الماضي وإن انقطعت حمائله وخلاه قائمه ، فقد ظهر بما حققناه هاهنا انطباق الصور الخمس على أقسام المفرد والمركب من غير مخالفة في ذلك وبالله التوفيق .

--> ( 1 ) لا يصح . ( 2 ) الحديث صححه الألبانى في صحيح الجامع 5136 ، 1643 وقد عزاه لأحمد والترمذي والحاكم وابن ماجة والبيهقي في الشعب والطبراني عن معاذ رضي الله عنه ، وانظر شرح الطيبي له وتلاق المفصل والمطول على بلاغته في كتابه التبيان بتحقيقنا 2 / 537 ط المكتبة التجارية مكة المكرمة .